الجنيد البغدادي

63

رسائل الجنيد

حتى إذا نظر اللّه تعالى إلى مقتوله رفعه بأيدي شفقته وغسله بماء ألفته ، وحنّطه بطيب مودته ، وكفّنه في أكفان وصلته ، وغطّاه بإزار رحمته ، ثم وضعه على سرير فضله ، وسلّمه إلى كنف لطفه ، وحمله على عنق عنايته ، ثم أسرع به إلى طريق رؤية امتنانه بين صنوف آلائه ونعمائه ، إلى أن بلغ إلى مصلى قربه ووصلته أمر الملائكة بالتحية والصلاة عليه ، ويباهى به معهم ، ثم جعله عند حضرته مقبورا وتحت حجاب القرب منه مدفونا ، ثم صيّره بالكلية فانيا رميما عن كل ما سواه ، ثم صيّره حيا باقيا ببقائه في الأبد مع الأبد إلى الأبد جل جلاله ، ثم بعد ذلك تأتيه حالات ومقامات كرهت شرحها غيرة عليها حتى أجد أهلها . وفيما ذكرنا إشارات وعبارات لا تصلح للعوام الذين طبعوا على طبائع الأنعام « 1 » ولا يعرفون من نعم المنعم غير المطعم والمنام ، وحسن المعاشرة مع الأنام ، بل هذا يصلح لمن له سراج الديمومة ونور الأبدية ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] ، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . افهموا معاشر القاصدين إلى اللّه تعالى ما ذكرنا لكم من بيان التهيؤ للقصد وما ينبغي لكم فيها إن أردتم أن تكونوا للوصل أهلا ، وباللّه التوفيق على ما يحب ربنا ويرضى فإنه الموفق لما يشاء . * * *

--> ( 1 ) مع تقديرنا لمكابدة الصوفية في رحلة الوصل والصال ، إلا أن كلام الجنيد عن العوام وعن إيمانهم بربهم كان يحتاج - فيما يعتقد - إلى معالجة أكثر ليونة خاصة أن الشرع لم يقلل من إيمان العامة ، فإذا كان الخواص لهم أشواقهم ، فهذا ما لا ينكر عليهم ، وخاصة أن نفس الصوفي هي نفس قد أعدها اللّه سبحانه وتعالى لتقبل الفيوضات الرحمانية ، وليس من المنتظر أن تكون كل النفوس مثل نفوس الصوفية ، وعندما سأل الرسول الجارية : « أين اللّه ؟ » فقالت : في السماء . قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمولاها أو لسيدها : « أعتقها فإنها مؤمنة » . ومن ثم كنا نأمل من الإمام الجليل أن ينأى عن عبارات مثل « الذين طبعوا على طبائع الأنعام » ، فإذا كان العوام لا يفهمون إشارات الصوفية فينبغي ألا نشبههم بطبائع الأنعام ! .